للتاريخ لسان
بقلم: أ. جمعه ياسين الشرهان
المعارضة الفارسية والاستثمار في دماء الشعوب: قراءة في مئة عام من القمع والتهجير
على امتداد قرنٍ كامل، عاشت الشعوب غير الفارسية داخل حدود الدولة الإيرانية الحديثة سلسلة طويلة من السياسات القمعية التي استهدفت الأرض والإنسان والهوية. ومن بين هذه الشعوب، كان الشعب الأحوازي في مقدمة من تعرّضوا لأشدّ أشكال الاضطهاد، من التهجير القسري إلى التفريس الممنهج، ومن مصادرة الثروات إلى محو الهوية العربية. واليوم، وبعد مرور مئة عام على هذا الإرث الدموي يبرز سؤال جوهري: ما الهدف الحقيقي الذي تسعى إليه المعارضة الفارسية؟
تحوّل الخطاب الفارسي: اعتراف متأخر أم التفاف سياسي؟
لم يأتِ اعتراف بعض أطياف المعارضة الفارسية بحقوق الشعوب أو طرحها لفكرة الحكم الذاتي من فراغ. هذا التحوّل لم يكن نتيجة صحوة ضمير، بل جاء بعد قراءة دقيقة للواقع الجديد الذي فرضته الشعوب غير الفارسية، وبعد إدراك المعارضة أن الدولة المركزية لم تعد قادرة على الاستمرار بالصيغة القديمة.
• فالمعارضة الفارسية، التي كانت لعقود جزءاً من منظومة التفكير المركزي، باتت تدرك أن الشعوب غير الفارسية أصبحت أكثر وعياً وتنظيماً، وأن الثروات الكبرى تقع في مناطق غير فارسية، وأي انهيار للنظام قد يؤدي إلى تفكك الدولة وتخرج الأمور من تحت السيطرة الفارسية؛ لذا فإن استمرار الإنكار لحقوق الشعوب لم يعد ممكناً أمام المجتمع الدولي والرأي العام العالمي.
• لذلك، بدأت المعارضة تتبنّى خطاباً تصالحياً ظاهرياً، لكنه في جوهره محاولة لاحتواء الحركات القومية ومنعها من الوصول إلى حقها الطبيعي في تقرير المصير.
ونحن أبناء الأحواز العربية، منذ إسقاط الدولة العربية في الأحواز عام 1925، اعتمدت الحكومات المتعاقبة في طهران سياسة ثابتة تقوم على التفريس القسري، والتهجير المنظم، والاستيطان المكثف لطمس الهوية العربية لبلادنا، ومصادرة الأراضي والثروات. هذه السياسات لم تكن عشوائية، بل كانت مشروعاً استراتيجياً هدفه تحويل الأرض العربية إلى فضاء فارسي خالص، وإلغاء الوجود العربي الأصيل في الأحواز.
واليوم، بعد مئة عام من هذه الممارسات، تحاول المعارضة الفارسية تقديم حلول لا تمس جوهر المشكلة، بل تسعى إلى تثبيت نتائج الاحتلال تحت غطاء ديمقراطي جديد.
إن الأحواز ليست مجرد منطقة جغرافية بل هي قلب الثروة لما سُمي بإيران ومفتاح موقعها الاستراتيجي، فهي تمتلك من الغاز والنفط أكثر من 80%، وموقعاً حيوياً على امتداد الساحل للخليج العربي، وإشرافاً مباشراً على مضيق باب السلام (والذي سمته فارس بمضيق هرمز)، كما أن بلاد الأحواز تمتلك ثروات مائية وزراعية ضخمة وعمقاً عربياً تاريخياً يصعب على المزورين إخفاؤه أو إنكاره.
لهذا السبب كان الاستيطان الفارسي في الأحواز مشروعاً مركزياً، وكان تهجير العرب سياسة ممنهجة استمرت لعقود. واليوم، يتجاوز عدد المهجّرين الأحوازيين في العراق والعالم العربي ثمانية ملايين نسمة، وهو رقم يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي تعرض لها هذا الشعب.
هل إن خطاب مريم رجوي مشروع تقسيم أم إعادة إنتاج للهيمنة؟
الطرح الذي تتبناه مريم رجوي وبعض أطياف المعارضة، بما فيها التكتلات اليسارية الفارسية أو المتايرنة، يقوم على تحويل المستوطنين الفرس وغيرهم إلى سكان أصليين، ومنحهم حق البقاء في الأرض العربية بهويتهم غير العربية، وتجاهل حق العودة لملايين المهجرين من الشعب الأحوازي، وتثبيت نتائج التفريس والتهجير من خلال تقديم حكم ذاتي شكلي تحت سلطة مركزية فارسية.
هذا الطرح، كما يراه كثيرون، ليس سوى محاولة لتقزيم قضية الشعب الأحوازي وتحويلها من قضية احتلال إلى قضية إدارة محلية، وهو ما يرفضه الشعب الأحوازي رفضاً قاطعاً.
بعد قرن من المعاناة، لم تعد الشعوب غير الفارسية مجرد ضحية، بل أصبحت رقماً صعباً في المعادلة السياسية؛ فقد أدركت هذه الشعوب أن حقوقها لا تُمنح بل تُنتزع، وأي مشروع لا يعترف للشعوب بحق تقرير المصير ما هو إلا التفاف على الحقيقة، والحكم الذاتي تحت سلطة فارسية يعني قبول الاحتلال الفارسي لبلادنا والتعايش مع الاستيطان البغيض على تراب أرضنا. وبالتالي، فإن أي محاولة لإعادة إنتاج الدولة المركزية بصيغة جديدة ستواجه رفضاً واسعاً.
إن التحذير من الأطروحات التي تتغنى بها بعض أطراف المعارضة الفارسية ليس تعصباً قومياً، بل قراءة واقعية لتاريخ طويل من الاحتلال والتفريس والتهجير؛ فالشعوب التي دفعت ثمناً باهظاً من دمائها وهويتها لن تقبل بحلول تجميلية تُبقي على جوهر الهيمنة الفارسية.
إن مستقبل الأحواز وبقية الشعوب غير الفارسية لن يُرسم عبر مشاريع فوقية، بل عبر إرادة الشعوب نفسها، وحقها الكامل في تقرير مصيرها واستعادة أرضها وهويتها وكرامتها.
جمعه ياسين شرهان
Share this content:
