في مثل هذه الأيام من كل عام، تعود إلى الواجهة ذكرى حادثة اقتحام السفارة الإيرانية في لندن عام 1980، تلك الواقعة التي لم تكن مجرد أزمة عابرة، بل لحظة مكثفة من التاريخ السياسي، تختزل صراع الهوية، وقمع الشعوب، ومحاولة إيصال صوتٍ لم يجد طريقه إلى العالم إلا عبر فعلٍ صادم.
بدأت القصة صباح 30 أبريل 1980، حين اقتحم ستة شبان مسلحين مبنى السفارة الإيرانية في حي كنسينغتون بلندن؛ خلال دقائق تحولت السفارة إلى مساحة مغلقة مشحونة بالخوف، حيث سيطر الشباب الأحوازيون على السفارة ومن فيها بالكامل، وبدأت واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في أوروبا الحديثة. وتشير التفاصيل التي وثّقها كتاب “الحصار” للكاتب بن ماكنتاير إلى أن العملية لم تكن عشوائية، بل كانت مدروسة، تحمل مطالب سياسية واضحة، من بينها إطلاق سراح معتقلين والاعتراف بحقوق الشعب العربي الأحوازي.
لقد استمرت الأزمة ستة أيام كاملة، وسط مفاوضات متقطعة، وضغوط إعلامية هائلة، وحصار أمني مشدد فرضته الشرطة البريطانية. وفي النهاية، انتهت العملية بتدخل القوات الخاصة البريطانية، في مشهد درامي بثته وسائل الإعلام إلى العالم، ليصبح الحدث علامة فارقة في فهم طبيعة الصراعات المرتبطة بالشرق الأوسط.
لكن ما يمنح هذه الذكرى بُعدها الإنساني والثقافي الأعمق، هو الجهد الذي بذله الشاعر والروائي والمترجم الأحوازي الأستاذ محمد عامر زويدات؛ فمن خلال ترجمته الدقيقة لكتاب “الحصار”، لم يقدّم نصاً منقولاً فحسب، بل أعاد صياغة الحدث في الوعي العربي، بلغة نابضة بالحياة، تنقل التفاصيل الصغيرة كما لو أنها تُروى من داخل السفارة نفسها. لقد نجح زويدات في الحفاظ على روح النص الأصلي، وفي الوقت ذاته منحه بُعداً أحوازياً وعربياً يجعل القارئ يشعر بأن القضية تمسه بشكل مباشر.
إن أهمية عمل الأستاذ محمد عامر زويدات لا تكمن فقط في الترجمة، بل في إعادة الاعتبار للرواية الإحوازية خلف الحدث، وهو بالتأكيد العارف فيها أكثر من غيره؛ ففي طيات الكتاب، نقرأ عن وجوه المناضلين، عن إيمانهم، عن عزيمتهم وعن إصرارهم، كما نقرأ عن لحظات الذعر وعن محاولات التماسك. هذه التفاصيل، التي نقلها الأستاذ محمد زويدات بأمانة، تفتح الباب لفهم أعمق بأن ما جرى لم يكن مجرد عملية، بل نتيجة تراكمات سياسية واجتماعية معقدة.
وإذا انتقلنا من الماضي إلى الحاضر، نجد أن كثيراً من القضايا التي فجّرت تلك الحادثة لا تزال قائمة بشكل أو بآخر داخل إيران. فملفات الشعوب، ومنها الشعب العربي الأحوازي، ما تزال تثير جدلاً واسعاً في تقارير حقوق الإنسان، كما أن الأحداث التي تشهدها إيران الآن في أثناء الحرب تعكس حالة من الترقب المستمر لما سيحصل في المستقبل القريب. ورغم اختلاف السياقات، إلا أن الرابط المشترك يبقى هو الشعور بالتهميش، والسعي لإيصال الصوت، ولو بوسائل مختلفة.
وفي هذه الذكرى، لا يمكن أن نغفل ذكر أولئك الشهداء الذين سقطوا خلال تلك الأيام الستة؛ لقد أصبحوا جزءاً من ذاكرة حدثٍ معقد، تتداخل فيه السياسة بالإنسانية، والحقائق بالمآسي. إن استذكارهم اليوم هو اعتراف بأن وراء كل حدث كبير قصصاً إنسانية تستحق أن تُروى.
ختاماً، فإن استحضار حادثة اقتحام السفارة الإيرانية اليوم، مقروناً بتقدير جهود محمد عامر زويدات، يذكّرنا بأن التاريخ لا يُحفظ فقط في الأرشيفات، بل في الكتب التي تعيد سرده، وفي الأصوات التي ترفض أن تُنسى. وبينما تستمر الأحداث في إيران بالتطور، يبقى الماضي مرآةً لفهم الحاضر، ودعوةً للتفكير في مستقبلٍ واعد.
عبد الله الطائي
قراءة المزيد: من حصار السفارة إلى حصار باب السلام (هرمز): ذاكرة لا تموت وصوت لا يقمعShare this content:




Leave a Reply