img 1896

أهمية الفكر القائم على التحليل السليم  

أهمية الفكر القائم على التحليل السليم لخدمة مصلحة الأحواز

أثناء المواجهة العسكرية بين الجيشين الهولندي والبريطاني في جنوب أفريقيا في أواخر القرن التاسع عشر (1899)، والتي جاءت ضمن الصراعات الاستعمارية في تلك المرحلة، كان ونستون تشرشل يعمل مراسلًا حربيًا ضمن وفد إعلامي، وليس جنديًا في الجيش. وخلال تغطيته للأحداث، وقع في أسر القوات الهولندية. ورغم هذا الظرف الصعب، لم يتعامل مع الموقف بالخوف أو الارتباك، بل حاول أن يفهم ما يدور حوله بعقل هادئ ونظرة تحليلية، تساعده على قراءة الواقع من حوله بدقة.

ومن خلال ملاحظاته أثناء الأسر، اكتشف أن الجيش الهولندي يتميز بانضباط وتنظيم واضحين، ولذلك اعترف بأنهم في بعض الجوانب كانوا أفضل من الجيش البريطاني. وهنا يظهر مفهوم النقد السليم، إذ لم يسمح لانتمائه أن يحجب عنه الحقيقة، بل اعتمد على الملاحظة والتفكير الموضوعي في الحكم على الأمور كما هي، لا كما يتمنى أن تكون.

كما يوضح هذا الموقف فكرة مهمة، وهي أن فهم الطرف الآخر لا يعني الضعف، بل يدل على وعي وقدرة على التحليل. فمعرفة نقاط قوة الخصم تساعد على فهم طريقة تفكيره، وبالتالي التعامل مع المواقف بشكل أدق وأكثر عقلانية. أما تجاهل الحقائق أو الاعتماد على الانطباعات السريعة، فإنه يؤدي إلى فهم خاطئ وقرارات غير سليمة.

ومن هنا نتعلم أن النقد السليم يقوم على أسس واضحة، أهمها: الملاحظة الدقيقة، وتحليل المعلومات، ثم الوصول إلى نتائج مبنية على الأدلة. وعندما تتوفر هذه الخطوات، يصبح التفكير أكثر دقة، وتكون الأحكام أقرب إلى الصواب.

وبناءً على ذلك، نحن كمواطنين أحوازيين بحاجة إلى هذا النوع من التفكير في فهم واقعنا. فمن الضروري أن نقرأ ما يدور حولنا بوعي، وأن نفهم الأوضاع السياسية والعسكرية والاقتصادية بشكل متوازن ودقيق. كما يجب متابعة التطورات على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، لأن هذه الجوانب مترابطة وتؤثر في بعضها البعض.

وفي الختام، فإن الاعتماد على التحليل السليم والنقد الموضوعي يساعد على تكوين رؤية واضحة واتخاذ قرارات واعية، بعيدًا عن التسرع أو الأحكام غير الدقيقة. وعلينا أن نجعل تفكيرنا دائمًا في اتجاه يخدم مصلحة الأحواز أولًا وأخيرًا.

فارس عبدالعال

7c42fbac f07d 44f6 9fa6 a56c82a526db

من حصار السفارة إلى حصار باب السلام (هرمز): ذاكرة لا تموت وصوت لا يقمع

في مثل هذه الأيام من كل عام، تعود إلى الواجهة ذكرى حادثة اقتحام السفارة الإيرانية في لندن عام 1980، تلك الواقعة التي لم تكن مجرد أزمة عابرة، بل لحظة مكثفة من التاريخ السياسي، تختزل صراع الهوية، وقمع الشعوب، ومحاولة إيصال صوتٍ لم يجد طريقه إلى العالم إلا عبر فعلٍ صادم.

بدأت القصة صباح 30 أبريل 1980، حين اقتحم ستة شبان مسلحين مبنى السفارة الإيرانية في حي كنسينغتون بلندن؛ خلال دقائق تحولت السفارة إلى مساحة مغلقة مشحونة بالخوف، حيث سيطر الشباب الأحوازيون على السفارة ومن فيها بالكامل، وبدأت واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في أوروبا الحديثة. وتشير التفاصيل التي وثّقها كتاب “الحصار” للكاتب بن ماكنتاير إلى أن العملية لم تكن عشوائية، بل كانت مدروسة، تحمل مطالب سياسية واضحة، من بينها إطلاق سراح معتقلين والاعتراف بحقوق الشعب العربي الأحوازي.

لقد استمرت الأزمة ستة أيام كاملة، وسط مفاوضات متقطعة، وضغوط إعلامية هائلة، وحصار أمني مشدد فرضته الشرطة البريطانية. وفي النهاية، انتهت العملية بتدخل القوات الخاصة البريطانية، في مشهد درامي بثته وسائل الإعلام إلى العالم، ليصبح الحدث علامة فارقة في فهم طبيعة الصراعات المرتبطة بالشرق الأوسط.

لكن ما يمنح هذه الذكرى بُعدها الإنساني والثقافي الأعمق، هو الجهد الذي بذله الشاعر والروائي والمترجم الأحوازي الأستاذ محمد عامر زويدات؛ فمن خلال ترجمته الدقيقة لكتاب “الحصار”، لم يقدّم نصاً منقولاً فحسب، بل أعاد صياغة الحدث في الوعي العربي، بلغة نابضة بالحياة، تنقل التفاصيل الصغيرة كما لو أنها تُروى من داخل السفارة نفسها. لقد نجح زويدات في الحفاظ على روح النص الأصلي، وفي الوقت ذاته منحه بُعداً أحوازياً وعربياً يجعل القارئ يشعر بأن القضية تمسه بشكل مباشر.

إن أهمية عمل الأستاذ محمد عامر زويدات لا تكمن فقط في الترجمة، بل في إعادة الاعتبار للرواية الإحوازية خلف الحدث، وهو بالتأكيد العارف فيها أكثر من غيره؛ ففي طيات الكتاب، نقرأ عن وجوه المناضلين، عن إيمانهم، عن عزيمتهم وعن إصرارهم، كما نقرأ عن لحظات الذعر وعن محاولات التماسك. هذه التفاصيل، التي نقلها الأستاذ محمد زويدات بأمانة، تفتح الباب لفهم أعمق بأن ما جرى لم يكن مجرد عملية، بل نتيجة تراكمات سياسية واجتماعية معقدة.

وإذا انتقلنا من الماضي إلى الحاضر، نجد أن كثيراً من القضايا التي فجّرت تلك الحادثة لا تزال قائمة بشكل أو بآخر داخل إيران. فملفات الشعوب، ومنها الشعب العربي الأحوازي، ما تزال تثير جدلاً واسعاً في تقارير حقوق الإنسان، كما أن الأحداث التي تشهدها إيران الآن في أثناء الحرب تعكس حالة من الترقب المستمر لما سيحصل في المستقبل القريب. ورغم اختلاف السياقات، إلا أن الرابط المشترك يبقى هو الشعور بالتهميش، والسعي لإيصال الصوت، ولو بوسائل مختلفة.

وفي هذه الذكرى، لا يمكن أن نغفل ذكر أولئك الشهداء الذين سقطوا خلال تلك الأيام الستة؛ لقد أصبحوا جزءاً من ذاكرة حدثٍ معقد، تتداخل فيه السياسة بالإنسانية، والحقائق بالمآسي. إن استذكارهم اليوم هو اعتراف بأن وراء كل حدث كبير قصصاً إنسانية تستحق أن تُروى.

ختاماً، فإن استحضار حادثة اقتحام السفارة الإيرانية اليوم، مقروناً بتقدير جهود محمد عامر زويدات، يذكّرنا بأن التاريخ لا يُحفظ فقط في الأرشيفات، بل في الكتب التي تعيد سرده، وفي الأصوات التي ترفض أن تُنسى. وبينما تستمر الأحداث في إيران بالتطور، يبقى الماضي مرآةً لفهم الحاضر، ودعوةً للتفكير في مستقبلٍ واعد.

عبد الله الطائي

قراءة المزيد: من حصار السفارة إلى حصار باب السلام (هرمز): ذاكرة لا تموت وصوت لا يقمع

Read More

img 1355

الوجود الإيراني في الأحواز

مقال بقلم:

فارس عبدالعال

اضغط هنا

الوجود الإيراني في الأحواز لا يحظى بأي شرعية.

من المعروف أن إيران فرضت سيطرتها على الأحواز عبر تدخل عسكري، مستغلة ظروفاً دولية ساعدتها على تثبيت وجودها. ومنذ ذلك الحين، شهدت المنطقة العديد من الثورات والانتفاضات التي تعكس رفض الشعب الأحوازي لهذا الواقع.

وعند النظر إلى القضية من زاوية القانون الدولي بشكل مبسط، يمكن توضيح عدة نقاط مهمة:

أولاً: لا يجوز احتلال أراضي الغير بالقوة

القانون الدولي يمنع أي دولة من استخدام القوة للسيطرة على أراضي دولة أو شعب آخر. وهذا يعني أن أي سيطرة تُفرض بالقوة دون موافقة السكان تُعد غير شرعية. وبناءً على ذلك، فإن السيطرة الإيرانية على الأحواز، كانت قد تمت بالقوة، إذ تُعد موضع رفض قانوني.

ثانياً: حق الشعوب في تقرير مصيرها

لكل شعب الحق في أن يقرر مصيره بنفسه، سواء من حيث نظام الحكم أو شكل الدولة، وهذا الحق معترف به دولياً. وكل شعب يمتلك الركائز الثلاثة: الشعب، الأرض، السيادة، إذ يحق له تقرير مصيره بنفسه. وفي الأحواز، تعكس الاحتجاجات والمطالبات المستمرة تمسك الشعب بهذا الحق الأساسي.

ثالثاً: منع تغيير هوية السكان بالقوة

القانون الدولي يمنع أي جهة مسيطرة من تغيير تركيبة السكان في أي منطقة، وهذا ما قامت به دولة الاحتلال الإيراني عبر التهجير وتوطين جماعات أجنبية بغية التأثير على هوية الشعب الأحوازي، وهذه الممارسات تُعد مخالفة للقانون الدولي.

رابعاً: حماية اللغة والثقافة

لكل شعب الحق في الحفاظ على لغته وثقافته وعاداته. ولا يجوز فرض قيود تؤدي إلى طمس هذه الهوية. وفي هذا الإطار، قامت إيران منذ عام 1925 بالتضييق على اللغة العربية في الأحواز، وهذا يُعتبر انتهاكاً لهذه الحقوق.

خامساً: مسؤولية سلطة الاحتلال الإيراني عن أفعالها

طالما أن إيران قامت بانتهاك القوانين الدولية، فهي تتحمل المسؤولية، ويجب عليها وقف هذه الانتهاكات وتعويض المتضررين. وهذا مبدأ أساسي في القانون الدولي.

في اطار السياق التاريخي والقانوني للأحواز

قبل السيطرة الإيرانية، كانت الأحواز تتمتع بوضع دولي رسمي، فهي لم تكن مجرد منطقة إدارية، بل دولة مستقلة لها حكومة منظمة وكيان سياسي قائم. وكانت لها علاقات خارجية مع دول أخرى، حيث كانت عضوًا في عصبة الأمم، وهو ما يُثبت اعتراف المجتمع الدولي بوجودها كدولة ذات سيادة.

من المنظور القانوني الدولي، هذا الوضع يعني أن الأحواز كانت تتمتع بـ السيادة والاعتراف الدولي، وهما عنصران أساسيان في القانون الدولي يحددان حق الشعوب في إدارة شؤونها دون تدخل خارجي. وبناءً عليه، أي سيطرة تُفرض عليها بالقوة تُعد مخالفة لمبادئ القانون الدولي، بما في ذلك حظر استخدام القوة في الاستيلاء على أراضي الدول المستقلة وحق الشعوب في تقرير مصيرها كما نصت عليه المواثيق الدولية.

هذه الحقائق تثبت لكل شعوب العالم أن الشعب الأحوازي كان وما زال يمتلك حقوقًا سياسية وسيادية، وأن استمرار الضغوط والاحتلال يمثل انتهاكًا للقوانين الدولية المعترف بها.

فارس عبدالعال